الوضع الدولي ومهام المناضلين الماركسيين - الجزء الثاني

Arabic translation of The International Situation and Perspectives (Part 2) (August 24, 2007)

   ملاحظة استهلالية:

   أخذت الحرب الدموية في العراق منحى جديدا في الأسبوع الفارط بالهجوم الهمجي على أحد أصغر الأقليات العراقية، مما أدى إلى قتل 400 شخص على الأقل وجرح مئات آخرين في مناطق يسكنها أساسا أتباع للديانة اليزيدية في المنطقة الشمالية الغربية النائية لسنجار. شكلت تلك الأربعة انفجارات المتزامنة أكثر الهجمات الفردية التي عرفتها الحرب من حيث عدد القتلى.

   اليزيديون، الذين ينتمون في غالبيتهم إلى الأكراد، يمارسون ديانة ما قبل إسلامية. بسبب كونهم يقدسون ملاكا يعتبره أغلبية المسلمين مساويا للشيطان، يتم اتهامهم أحيانا بكونهم يعبدون الشيطان. عمل صدام حسين، كجزء من حملة التعريب السيئة الذكر، على اجتثاث اليزيديين من أرضهم الأصلية، وهجرهم إلى "بلدات" جديدة كانت أشبه في البداية بمعسكرات اعتقال. وقد تم استهداف أحد تلك البلدات خلال هذا الأسبوع من طرف الانتحاريين.

   جنون العصب الدينية والحرب الطائفية التي امتدت إلى كردستان، وهو ما كنت قد توقعته في خطاب ألقيته خلال اجتماع للتيار الماركسي الأممي في برشلونة، سيكون أسوء من أي مكان آخر. وكما سبق لي أن أشرت، انتقل المتمردون الذين طردتهم قوات عملية النهوض "surge" الأمريكية في وسط العراق إلى أماكن أخرى، إلى كردستان. لقد قتل انفجار حدث مؤخرا في الشمال 150 شخصا في إميرلي.

   لقد احتقنت التوترات العرقية أيضا بحلول الاستفتاء على إقليم كركوك المتنازع حوله والمناطق المجاورة. العرب السنة وآخرون قلقون من الاستفتاء الذي قد ينتهي بابتلاع المنطقة وإلحاقها بكردستان.

   يصارع رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية استجابة منه للضغوط الأمريكية. لكن خلال الأربعة أشهر الماضية غادرتها ثلاثة كتل كبيرة: الشيعة الراديكاليون المرتبطون بمقتدى الصدر، لائحة رئيس الوزراء الشيعي السابق إياد علاوي اللائحة العراقية ذات الاتجاه العلماني والائتلاف السني الرئيسي جبهة التوافق العراقية. بعبارة أخرى: فشلت عملية surge والائتلاف يتهاوى أمام أعيننا.

آلان وودز
لندن 21-08-2007

الوضع الدولي ومهام المناضلين الماركسيين (الجزء الثاني)

   الشيء الأهم الذي علينا أن نلاحظه هو التداخل الكبير لكل شيء في هذا العالم. هذا هو ما يجعلنا نبدأ دائما بنقاش حول المنظورات العالمية. من المستحيل أن نفهم المنظورات الخاصة بالمكسيك أو إسبانيا أو البرازيل أو فنزويلا، الخ، دون فهم السياق الأعم.

   ليس الماركسيون اقتصاديين جبريين بل إنهم ماديون جدليون. الدورة الاقتصادية هامة، لكنها لا تجيب على كل مسألة الوعي الطبقي أو المنظورات الثورية. إنها مسألة سياسية أيضا. على سبيل المثال كان للاضطراب في الشرق الأوسط، غزو أفغانستان والعراق، أثر سياسي كبير في إيطاليا وإسبانيا. هناك في الولايات المتحدة أيضا أزمة سياسية جدية بخصوص العراق. في الطرف الآخر من العالم تعرضت باكستان (حيث لدينا فرع قوي) لزلزال قوي بسبب الأحداث في أفغانستان.

   لسنا مجتمعين هنا من أجل أهداف أكاديمية. هدفنا هو تحليل الأزمة العامة للرأسمالية من أجل التدخل. ولكي نتدخل نعمل على تجميع القوى، يجب علينا أن نبني تلك القوى. لقد كنا في الماضي شبه متفرجين تقريبا. خلال مرحلة أليندي بالتشيلي، على سبيل المثال، كان لدينا تحليل صحيح تماما لكننا

   كنا مجرد متابعين للأحداث ولم نكن نساهم فيها فعليا. اليوم في باكستان صرنا قوة. ولدينا في فنزويلا قوة متصاعدة تمكنت من بناء نقاط دعم قوية. في المكسيك لدينا مجموعة متقدمة تتدخل بشكل فعال جدا في الحركة الجماهيرية. إن هذا ينعكس على طبيعة كل نقاشاتنا.

   أفغانستان

   تتصرف الإمبريالية الأمريكية، ليس مثل ثور داخل متجر للخزف الصيني بل مثل فيل داخل متجر للخزف الصيني. أفغانستان تعيش فوضى عارمة ونتيجة لذلك تجد نفسها غارقة في أزمة عارمة، سبق لنا أن غطيناها في مقالات سابقة على صفحات موقعنا. جاءت أزمة المحامين، بعدها جاءت أزمة المسجد الأحمر، الخ. من الواضح أن مشرف معلق بخيط رفيع وهم يحضرون لرجوع بوتو إلى باكستان. تطورات مهمة على جدول أعمال التاريخ ورفاقنا يوجدون في موقع جيد للاستفادة من هذه التطورات.

   الحرب في أفغانستان تتفاقم والخسائر الغربية تتزايد. وقد فشلت مخططات الولايات المتحدة في الاعتماد على القوة الجوية في أفغانستان من أجل تلافي الخسائر في صفوفها. بدل ذلك سببت الانفجارات خسائر ثقيلة بين صفوف المدنيين، تقدر مجموعات المساعدة الأفغانية أن القوات الأجنبية والأفغانية قتلت 230 مدني خلال الستة أشهر الأولى من 2007، أكثر من خسائر السنة السابقة. منذ بداية 2006، من المعتقد أن حوالي 6000 شخص قتلوا، ربما 1,500 منهم مدنيون.

   أغلب هؤلاء قتلوا على يد قوات "عملية الحرية المستديمة" (OEF)، المنفصلة عن قيادة قوات الناتو، المعروفة باسم قوات إيساف. هذه هي الطبعة الأمريكية لفن كسب الأصدقاء والتأثير في الشعب.

   القوات البريطانية تقاتل على الأرض في إقليم هلمند، تتقدم عبر وادي سانغين على أمل إعادة فتح الطريق إلى كاجاكي دام، للتمكن من إعادة فتح شركة الكهرباء التابعة لها. لكنهم يتعرضون للكثير من الخسائر في حرب لا يمكنهم كسبها.

   تتلافى طالبان الدخول في معارك مباشرة وهم الآن يلجئون إلى المزيد من الهجمات الانتحارية والألغام في الطرقات. حرب العصابات هذه تكتيك جد فعال ويستعمل حتى في كابول. قتل انفجار انتحاري، حدث يوم 17 يونيو، 22 رجل شرطة بأكاديمية لتكوين رجال الشرطة و13 من المدنيين. كاد هجوم مشابه أن يقتل ديك تشيني.

   يقال أن القائد السابق لقوات إيساف، الجنرال البريطاني، دافيد ريتشارد، حذر زملائه في لندن هذا الشهر أن الناتو يقوم بـ "أفضل عمل سيء"، هناك نقص في القوات وعليه أن يعوض ذلك بنيران مدافع كثيفة. مما سيعني المزيد من الخسائر بين المدنيين.

   إلا أنه لا يمكنه الحصول على عدد أكبر من الجنود. هذا إذا لم تبدأ بعض قوات الحلفاء في الانسحاب. بعض البلدان من قبيل بريطانيا والدنمارك وبولندا بدأت ترفع من عدد قواتها. لكن الآخرين ليسو مستعدين لخسارة المزيد من الأرواح. الألمان موجودون لكن قواتهم ممركزة في الشمال (حيث لا توجد سوى مواجهات قليلة أو منعدمة) وهي ممنوعة من مغادرة ثكناتها خلال الليل. البعثة الأفغانية فاقدة للشعبية في ألمانيا، وقد أدت تقريبا إلى إسقاط الحكومة الإيطالية في فبراير. الهولنديون بدورهم متذبذبون جدا وسيقررون شهر غشت في ما إذا كانوا سيمدون عملياتهم إلى أوريزغان بعد 2008. وساركوزي قال أنه يريد أيضا مغادرة إيساف بالرغم من أن المسئولين يقولون أنه ليس هناك من إجراء مرتقب.

   طالبان على النقيض تمتلك أموال طائلة، والكثير من الأشخاص والأسلحة، يمولها تجار المخدرات الأفغانيين. اقتصاد الأفيون والتمرد يقويان بعضهما الآخر، المخدرات تمول طالبان بينما المواجهات تشجع زراعة المخدرات، خاصة في هلمند، التي تمكنت من تحطيم رقم قياسي جديد لتجارة المخدرات هذه السنة، حيث أنتج من الأفيون (ومن الهروين وغيرها من المخدرات الغير مشروعة) أكثر من كل أنحاء أفغانستان مجتمعة.

   تجارة المخدرات جد مربحة، تعود بربح يعادل حوالي 320 مليار سنويا. تجارة الأفيون تساوي حوالي 3.1 مليار (لا يكسب المزارعون سوى أقل من ربع هذا المبلغ)، ما يعادل حوالي ثلث إجمالي الاقتصاد الأفغاني. تجارة الأفيون الأفغانية تساوي حوالي 60 مليار بأسعار الشارع في البلدان المستهلكة، وهي خارج الرقابة. أنتجت أفغانستان السنة الماضية ما يعادل 6100 طن من الأفيون، حوالي 92% من الناتج العالمي. كانت طالبان تمارس على الأقل جزءا من الرقابة، لكنها لا تمارس الآن أية رقابة. هذه الأيام صار قادة طالبان هم أنفسهم تجار مخدرات.

   بعض أكبر بارونات المخدرات هم في نفس الآن أعضاء في الحكومات الوطنية والإقليمية بل حتى وجوه قريبة من حامد كارازاي. كتبت الايكونوميست (28، 6, 07): « كل السلسلة الحكومية التي من المفترض أن تفرض قوة القانون، بدءا من وزير الداخلية حتى الشرطي العادي، قد تحطمت. رجال الشرطة الذين يتلقون أجورا متدنية يتم ارشائهم لتسهيل التجارة. بعضهم يدفعون لرؤسائهم من أجل الحصول على مناصب "مربحة" من قبيل حراس الحدود.»

   العراق

   في العراق، بالرغم من حضور أكثر من 160000 جندي فإن الأمريكيين قد خسروا الحرب. لقد أنتج ذلك أزمة للنظام. الطبقة السائدة فقدت الثقة في بوش. مثل حالة نيكسون، كان من السهل إيصاله إلى السلطة لكن من الأصعب إخراجه منها. مجموعة دراسات العراق التي ترأسها جيمس بيكر، الذي يعتبر ممثلا موثوقا للطبقة السائدة، أعطت نصيحة جيدة للبرجوازية الأمريكية. قالت: « لقد خسرنا، فلنعمل على الانسحاب بأسرع ما يمكن، اعقدوا اتفاقا مع سوريا وإيران، فلنجعلهم يخرجوننا من المأزق.» عوض ذلك جورج بوش وجه عددا أكبر من الجنود وهدد إيران.

   شعاره هو: "دفعة وحيدة أخيرة وسنفوز". هذا مثل ما كان عند الجنرالات في الحرب العالمية الأولى، الذين كانوا دائما يأمرون جنودهم بالهجوم مرة أخرى. الآن صارت عملية "Surge" أمرا واقعا. هناك 21000 جندي إضافي، مما يرفع عددهم في بغداد إلى 31,000 جندي وإلى 155,000 على الصعيد الوطني، الذي يعتبر أعلى مستوى منذ أواخر 2005. قال مسئولون أمريكيون كبار أن ثلث بغداد تعيش الآن مستوى من "الهدوء"، بينما لا يزال ثلثها، وخاصة تلك المناطق التي يخترقها الانقسام الطائفي، جد عنيف، بينما الوضع في الثلث الآخر متقلب.

   يتمنى الأمريكيون أن يعملوا بمجرد ما يتمكنون من تأمين بغداد، كما هو مفترض نظريا، على مد ما يسمى بالـ "الأحزمة" إلى خارج بغداد، وخاصة إلى البلدات ذات الأغلبية السنية في الجنوب: المحمودية، اللاطفية واليوسفية. لكن هذا لم يحل أي شيء. إذ بعد طردها خارج بغداد، عملت قوات المغاوير (guerillas) على الانتقال بكل بساطة إلى أماكن أخرى. يقدر أن حوالي 2,2 مليون عراقي، من ساكنة تصل إلى 27 مليون نسمة، قد غادروا الآن العراق، بينما تقدر الأمم المتحدة أن هناك 2 مليون شخص آخرين هاجروا داخليا.

   نظريا يضع الأمريكيون ثقتهم في قوات الشرطة والجيش العراقية لأخذ زمام الأمور في أقرب وقت ممكن. من بين 188,000 شرطي تدربوا على يد الأمريكيين، فقد منهم ليس أقل من 32,000، (قتل ما بين 8,000 و10,000، جرح عدد مشابه وفر أكثر من 5,000). قوات الجيش البالغ عددها 137,000 يقال عنها أنها أفضل وأقل طائفية، لكنها عاجزة عن التصدي للمتمردين.

   حكومة الوحدة الوطنية ليست كذلك سوى بالاسم فقط. إنها مجموعة من التيارات، كل واحد منها تصارع من أجل الحصول على جزء من الغنيمة. حتى الجنرال الأمريكي بيتروس حذر من أنه « يمكن للعمليات المضادة للتمرد أن تستمر تسعة أو عشرة سنوات ». هذا جنون مطبق. ليس لديهم هامش التسعة أو العشرة سنوات، فالرأي العام في الولايات المتحدة قد صار الآن في أغلبيته ضد الحرب. حتى الجمهوريون سئموا منها.

   أي شيء سيقوم به الأمريكيون الآن سيكون خاطئا. فإذا ما بقوا سيعني ذلك المزيد من الخسائر ولن يحل أي شيء. لكنهم إذا غادروا فسيكون الوضع أسوء. هناك حرب طائفية دموية في العراق. الحكومة والأمريكيون عاجزون عن حل المشكلة. الأمريكيون يطالبون بأن يقوم العراقيون ببناء حكومة وطنية ودولة وشرطة بقاعدة دعم واسعة، لكنهم لا يستطيعون فعل ذلك. الإمبريالية الأمريكية هي المسئولة عن هذا الكابوس. لقد أشعلوا لهيب المواجهة الطائفية عندما استندوا على قاعدة الأكراد والشيعة ضد صدام حسين، الذي كان يستند على قاعدة السنة. والآن صارت الأوضاع خارج السيطرة.

   اعترف الجنرال بيتريوس بشكل صريح أن عملية "surge" ستكون بدون جدوى إذا ما لم يتم استخدام المجال الحيوي الذي تحاول قواته خلقه من طرف الحكومة التي يقودها الشيعة من أجل احتضان فريق أوسع من السنة. خلال الأسبوع الماضي كان وزير الدفاع الأمريكي، روبرت غيتس، في بغداد، من أجل تقييم نتائج عملية "surge". قال: « قواتنا تعطيهم [الحكومة العراقية] الوقت من أجل مواصلة سياسة التوافق» وأضاف: « بصراحة نحن محبطون من التطور المحقق لحد الآن». يعلم أسياد الجنرال بيتريوس في واشنطن أنه إذا لم يقم دميتهم المالكي بعمل أفضل فإن عملية "surge" الأمريكية محكومة بالفشل، بالرغم من الخسائر الأمريكية المرتفعة في الأرواح والتي لا تزال تتزايد.

   يخدع الأمريكيون أنفسهم بالقول بأنه لحد الآن لا تزال كردستان هادئة نسبيا. يقولون "الوضع جيد في الشمال". لكن أسوء المذابح وأشكال العنف ستكون هي تلك التي سيعرفها الشمال. كردستان منطقة مختلطة عرقيا. لا يمكن حل المسألة القومية في ظل الرأسمالية، لا سواء في العراق ولا في أي مكان آخر. هناك الآن مواجهة بين السنة والشيعة والأكراد والتركمان وغيرهم من المجموعات العرقية الأخرى. وتركيا توجه الإنذارات للعراق. سوف لن تقبل أنقرة أبدا قيام كردستان مستقلة بالقرب من حدودها. حزب العمال الكردستاني عاد مرة أخرى إلى شن حرب العصابات داخل تركيا وتمركز في المنطقة الكردية من العراق. سوف يتحرك الجيش التركي من أجل سحقهم. وقد بدأ منذ الآن يكثف من تواجد قواته على الحدود، لا ينتظر سوى المبرر لكي يقوم بالاجتياح.

   لا يشن الإمبرياليون الحروب من أجل اللهو، بل من أجل النهب، من أجل الأسواق. لكنهم لا يحصلون على المال من احتلالهم للعراق، الحرب في العراق تكلفهم مبالغ هائلة، على الأقل ملياري دولار أسبوعيا وآلاف القتلى والجرحى. يمتلك العراق ثالث أكبر احتياطي من النفط، لكن ليس لذلك الآن سوى أهمية ضئيلة ما دام النفط الخام موجودا في أغلبيته تحت الأرض. البنية التحتية النفطية صارت في حالة يرثى لها، بعد 17 سنة من الحرب والحصار. والإنتاج لا يزال أقل بكثير من المستوى (الضعيف) الذي كان عليه ما قبل الحرب أي 2,5 مليون برميل يوميا.

   بالإضافة إلى ذلك، جاءت الحرب بنتائج غير متوقعة. فبعد تدميرهم للجيش العراقي، قضى الأمريكيون على القوة الوحيدة في المنطقة التي كان بإمكانها موازنة القوة الإيرانية، التي صارت قوة إقليمية. هناك أيضا إمكانية ثورية كبيرة في إيران. يمثل أحمدي نجاد دور المعادي للأمريكيين من أجل تحويل انتباه الجماهير الإيرانية. تتدخل إيران بكل تأكيد في العراق وميزان القوى في المنطقة تخلخل. المنطقة بكاملها تعيش الاضطرابات. الأسرة المالكة في السعودية معلقة بخيط رفيع، وتخشى السعودية وغيرها من دول الخليج من تصاعد قوة إيران والشيعة. نتيجة لذلك يعمل الأمريكيون على تقديم دعم سري لتشكيل جبهة معادية للنفوذ الشيعي في المنطقة.

   إسرائيل وفلسطين

   توجد قضية إسرائيل وفلسطين في مركز أزمة الشرق الأوسط. الأزمة في غزة عبارة عن حرب أهلية بين حماس ومنظمة التحرير بقيادة عباس. كان الانسحاب الإسرائيلي من غزة تكتيكا يستهدف تقوية السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية. ويمكننا أن نرى كلبية الإمبرياليين (ليس الأمريكيين وحدهم بل الأوروبيين أيضا) في قيامهم بإلغاء المساعدات عن حكومة حماس، التي هي، بالرغم من كل ما يمكن أن يقال، حكومة منتخبة ديمقراطيا.

   بمجرد ما اندلعت المواجهات بين عباس وحماس، عملوا على إعادة أموال المساعدات إلى البنك العالمي ودميتهم أبو مازن. إنهم يريدون استخدام أحد الأطراف من أجل شق صفوف الفلسطينيين وبالتالي ضمان استمرارية الهيمنة الإسرائيلية. إن اختيارهم لتوني بلير كمبعوث للشرق الأوسط هو في حد ذاته اعتراف بأنه ليس للأمريكيين أية مصلحة في وقف ذلك الصراع.

   ليس هناك من حل ممكن للقضية الفلسطينية على هذه الأسس. إن الحل الوحيد الممكن هو تقسيم إسرائيل على أساس طبقي: كسر قبضة الصهيونية الرجعية. لكن هذا يتطلب تبني موقف طبقي. من الصعب طرح هذا الموقف في ظل الأوضاع القائمة حاليا، إلا أن الأحداث ستمكننا من فرص للقيام بذلك عندما ستتحقق الجماهير من عقم الأساليب القديمة. في الوقت الحالي من الضروري أن نشرح بصبر أفكارنا للعناصر الأكثر طليعية. وفي المستقبل ستجد أفكارنا صدى جماهيريا.

   أمريكا اللاتينية

   تقف أمريكا اللاتينية في طليعة الثورة العالمية بمجملها. إنها الإجابة الحاسمة على جميع الإصلاحيين والمتخاذلين أمام الإمبريالية، الخ. لو أن هذه الأحداث وقعت في الماضي لكان المارينز قد تدخل منذ مدة طويلة. لكن هذا مستحيل اليوم، لا سواء من الناحية السياسية أو المادية. الأمريكيون غارقون في العراق. هذا لا يعني أنهم لن يقوموا بالهجوم، وهم يهاجمون فعلا، لكنهم عاجزون عن تنظيم غزو مباشر ومضطرون إلى اللجوء إلى أساليب غير مباشرة، كالضغط الدبلوماسي والاقتصادي والدسائس، خاصة في فنزويلا وداخل الحركة البوليفارية.

   يفهم الإمبرياليون ما نفهمه نحن: يفهمون أن هناك مسلسل ثوري في فنزويلا وأن الجماهير تتحرك من أجل تغيير المجتمع. في الأيام الخوالي كان جميع الاشتراكيين، من وجهة نظر واشنطن، "شيوعيون"، لكن في وقتنا الحالي تحتاج الولايات المتحدة إلى التفاهم مع الاشتراكيين "الطيبين" من أمثال لولا وكيرشنر من أجل عزل تشافيز. إنهم يحاولون احتواء موراليس أيضا. هذا هو معنى جولة بوش الأمريكية اللاتينية ومحاولة توقيع اتفاقيات تجارية ثنائية مع البرازيل وغيرها من البلدان في المنطقة.

   الثورات لا تحترم الحدود والغليان الثوري يمتد إلى بلدان من قبيل الإكوادور وبوليفيا، الخ. هذا هو ما يجعلهم يحاولون عزل فنزويلا. لا يمكن للإمبريالية الأمريكية أن تتعايش مع الثورة الفنزويلية. لكن وكما حدث مع كوبا يمكن للإمبريالية الأمريكية أن تدفع تشافيز إلى ما وراء حدود الرأسمالية. وإذا ما حدث هذا فإن انعكاساته ستمتد على القارة وخارجها.

   هذا ما يفسر الحملة الهستيرية التي اندلعت حول مسألة القناة التلفزية RCTV. يريد الإمبرياليون مواصلة الضغط على تشافيز من أجل وقف الثورة. وهم يعتمدون في ذلك على الجناح اليميني داخل قيادة الحركة البوليفارية والبيروقراطية المعادية للثورة. لكن العمال والفلاحين يمارسون الضغط هم أيضا من تحت. نتيجة هذا الصراع ستحدد، بشكل أو بآخر، مصير الثورة.

   يجب على الماركسيين أن يقفوا على أسس الثوابت، كما سبق لتيد غرانت أن قال، وليس على هذا المظهر العرضي أو ذاك. ليست هناك من خطاطة جاهزة تفسر كل شيء. يجب علينا أن ننطلق من العالم كما هو والصراع الطبقي والحركة العمالية كما هما في الواقع. نحن نعمل دائما على مقاربة الأمور بطريقة جدلية. نرى الأشياء كما هي في الواقع، كما كانت في السابق ونبذل كل ما في مستطاعنا لكي نرى كيف يمكنها أن تتطور. للصراع الطبقي وثيرة معينة. مراحل الركود في الصراع الطبقي مسائل حتمية. نحن لا يمكننا أن نكون تجريبيين. علاوة على ذلك لا تبقى الجماهير في حركة دائمة لما فيه مصلحتنا.

   هنالك العديد من أوجه التشابه بين الصراع الطبقي والحرب. فالحرب لا تتشكل من معارك متواصلة. أي جندي خبر الحرب يمكنه أن يخبركم أن حدوث المعارك خلال الحرب مسألة استثنائية وأنه بين المعركة والأخرى هناك فترات طويلة من التوقف. ويجب استغلال هذه الفترات من أجل تنظيف الأسلحة وحفر الخنادق وضم عناصر جديدة: باختصار علينا الاستعداد للمعركة المقبلة التي ستأتي بأسرع مما نتوقع. يجب علينا أن نفكر بطريقة الجنود المحنكين. يجب علينا أن نستغل فترات الهدنة التي يعرفها الصراع الطبقي من أجل بناء قوانا وتحسين منظمتنا.

   صحيح أن العمال ليسو مستعدين دائما للنضال. لكن دعونا نأخذ مثال بوليفيا، حيث شنت الطبقة العاملة إضرابين عامين وانتفاضتين وأسقطت حكومتين في غضون 18 شهرا. سأطرح سؤالا: ما الذي يمكن توقعه من الطبقة العاملة أكثر من هذا؟ إن الفشل في حسم السلطة لم يكن بسبب تدني وعي الجماهير (كما يدعي هاينز ديتريخت) بل بسبب غياب القيادة.

   يمكن للأوضاع أن تتغير في جميع البلدان بشكل سريع جدا. يجب علينا أن نكون مستعدين لكي لا تأخذنا الأحداث على حين غرة. يمكن لحدث عرضي أن يتسبب في اندلاع حركة يمكنها أن تفاجئنا. في ظل ظروف معينة يمكن للعناصر التي كانت الأكثر تخلفا في الماضي أن تصبح العناصر الأكثر كفاحية، كما يعلمنا ذلك الجدل والتاريخ. في روسيا سنة 1905، نظم العمال مسيرة سلمية نحو القيصر (ظل الله في الأرض)، من أجل مطالبته بالإصلاحات. وقد كان على رأس هذه المسيرة السلمية رجل دين، الأب غابون. كان الماركسيون يشكلون أقلية ضئيلة وكانوا معزولين كليا عن الطبقة العاملة. عند ذلك حدثت مذبحة 9 يناير فتغير وعي الجماهير جذريا في غضون 24 ساعة.

   ما هو الدرس الذي يمكننا استخلاصه من تجربة فنزويلا؟ كيف يمكن تفسير الصعود السريع الذي حققه تشافيز؟ لا يمكن تفسير ذلك بقوى سحرية. لقد كان السخط الجماهيري موجودا منذ البداية لكن لم تكن هناك أية وسيلة لكي يعبر بها عن نفسه. وبمجرد ما وجدت الجماهير وسيلة للتعبير عن نفسها، خرجت إلى الشوارع في حركة من غير الممكن وقفها، استمرت حوالي عشرة سنوات. من المثير حقا للدهشة كيف استمرت الحركة كل تلك المدة الطويلة. انتخابات دجنبر 2006 بينت أن 63% من الشعب الفنزويلي يدعمون تشافيز بعد تسعة سنوات على بدأ هذا المسلسل. يعبر هذا الواقع عن مستوى وعي ثوري عال جدا!

   لا يقاس الوعي الطبقي من خلال الإضرابات فقط. إذ عندما يجد العمال أنفسهم محجوزين على الصعيد الاقتصادي يبحثون عن مخرج على الصعيد السياسي والعكس صحيح، الخ. لكنهم لا يقومون بذلك إلا عبر منظماتهم الجماهيرية التقليدية، لأن الجماهير لا تفهم المجموعات الصغرى، حتى ولو كان لذا هذه الأخيرة أفكار صحيحة، وهو الشيء الذي لا تمتلكه العصب على كل حال.

   سنشهد خلال المرحلة المضطربة التي تنفتح أمامنا حدوث أزمات داخل جميع المنظمات الجماهيرية التقليدية خلال مرحلة معينة. انظروا إلى بريطانيا. لا يمكنكم أن تتخيلوا وجود قيادة أكثر تعفنا من قيادة حزب العمال. خلال العشرة سنوات الأخيرة انهمكت جميع العصب في تشكيل جميع أنواع الكتل الانتخابية والتحالفات من أجل الوقوف ضد حزب العمال، لكنهم لم يصلوا إلى أية نتيجة.

   تشكل المكسيك مثالا جيدا للطريقة التي تتحرك بها الجماهير. لقد قلنا عدة مرات أنه لا يوجد هناك أي بلد مستقر في كل القارة الأمريكية اللاتينية بدءا من أرض النار وصولا إلى ألاسكا. ولم يمر وقت طويل منذ أن كانت المكسيك تبدو بلدا مستقرا، لكن منظوراتنا تأكدت بشكل تام من خلال الأحداث التي عرفتها السنة الماضية. العصبويون لا يفهمون أي شيء. لقد اتهمونا بكوننا ندعم حزبا بورجوازيا. يمكن اعتبار حزب الثورة الديمقراطية حزبا بورجوازيا بالنظر إلى طبيعة قيادته والسياسة التي يتبناها. لكن الجماهير لا تفهم هذا، كما رأينا ذلك خلال السنة الماضية.

   لقد خرج الملايين إلى الشوارع من أجل الاحتجاج ضد تزوير الانتخابات ومن أجل دعم لوبيز أوبرادور. هل كان كل هؤلاء برجوازيون؟ لست أعتقد أن هناك كل هذا العدد من البرجوازيين في العالم. كلا! هؤلاء كانوا من أبناء الشعب العاديين: العمال والفلاحون. لقد ناضل رفاقنا جنبا إلى جنب مع الجماهير، مع قيامهم في نفس الوقت بشرح برنامجنا وسياساتنا وحاولوا قيادة الحركة إلى الأمام. ولقد كان ذلك هو الشيء الوحيد الصحيح الذي يجب فعله!

   لقد طرح ذلك مسألة أزمة القيادة. لقد كان لوبيز أوبرادور مثل ذلك الساحر المبتدئ، الذي عجز عن التحكم في القوى التي أثارها. يجب علينا أن نفهم كيف تتحرك الطبقة العاملة، إنها تتحرك من خلال منظماتها الجماهيرية التقليدية وليس عبر العصب الصغيرة. لكن الجماهير لا يمكنها أن تبقى دائما في الشوارع تبني المتاريس، كما يتوقع اليساريون المتطرفون. فإذا لم ترى الحركة حدوث أي تغيير تتوقف لفترة من الزمن. وهذا طبيعي.

   يبدو ظاهريا أن كالديرون قد انتصر، لكن المعركة لم تنتهي بعد. حكومة كالديرون ضعيفة ومفككة. إنها حكومة أزمة. الطبقة السائدة المكسيكية أضعف من أن تسحق الحركة الجماهيرية خلال هذه المرحلة، لكن الطبقة العاملة عاجزة عن إتمام المهمة بسبب أزمة القيادة. الشيء الذي يتسبب في حدوث مأزق. لكن هذا الاستقرار الهش لا يمكنه أن يستمر طويلا. لقد بدأت الثورة المكسيكية. يحاول كالديرون تقوية جهاز الدولة، باستعمال الحرب على المخدرات كمبرر لشن حملات القمع. يمكن للوبيز أوبرادور أن يفوز بالانتخابات المقبلة. والجماهير ستمر من مدرسة الإصلاحية وستتعلم من خلال تجربتها الخاصة. أثناء ذلك، يجب علينا، مثلنا مثل جميع الجنود الجيدين، أن نحضر قواتنا!

   لقد عرف المسلسل الثوري تمددا في كل مكان. لم يكن الحال كذلك في الماضي، عندما كانت الأوضاع الماقبل ثورية تنتهي بسرعة كبيرة إما إلى حدوث ثورة أو ثورة مضادة. نشهد الآن في فنزويلا نوعا من ثورة بطيئة التحرك. لقد استمرت حوالي 10 سنوات. لماذا؟ هناك ميزان قوى طبقي ملائم جدا. بإمكان الطبقة العاملة أن تحسم السلطة بطريقة سهلة نسبيا، لكنها مفتقدة للقيادة الثورية. تشافيز إنسان نزيه وشجاع لكنه ليس ماركسيا ومن ثم فإنه يميل إلى التذبذب. أما القادة الرسميين للحركة العمالية (قادة نقابة الاتحاد الوطني للعمال)، فإنهم لعبوا أكثر الأدوار سلبية وشؤما.

   كما هو الحال في المكسيك وغيرها من البلدان، ليست البرجوازية قوية بما فيه الكفاية لكي تسحق الحركة الثورية، لكن العمال تعرضوا للمنع من حسم السلطة من طرف قيادتهم. هذا ما يفسر الطبيعة الممتدة لهذا المسلسل. لكن سواء عاجلا أو آجلا سيكون من الضروري حسم هذا الوضع في هذا الاتجاه أو ذاك. يفهم الإمبرياليون ما نفهمه نحن. إنهم يعرفون أن علاقات القوى الغير مستقرة الحالية لا يمكنها أن تستمر إلى الأبد. وهم يستعدون.

   هناك حملة لتخريب الاقتصاد الفنزويلي. هناك النقص في المواد الرئيسية والتضخم وصل 19%. الجماهير موالية للثورة لكنها لن تقبل باستمرار هذا الوضع إلى الأبد. يجب حسم الوضع إن عاجلا أو آجلا. لقد قام تشافيز بالعديد من الخطوات الهامة إلى الأمام، لكنه لا يزال يتردد بخصوص المسائل الجوهرية كمسألة الجيش مثلا. والنتيجة لا تزال غير واضحة لحد الآن.

   لدينا جلسة خاصة حول فنزويلا، وهذا نقاش جد هام. يجب علينا أن نتبع الثورة بشكل ملموس خلال جميع مراحلها، يجب علينا أن نمتلك جميع الحقائق والأرقام، يجب علينا أن نشارك بنشاط في جميع النقاشات، وأن نلعب دورا قياديا في بناء الحزب الاشتراكي الجديد، (الحزب الاشتراكي الموحد الفنزويلي). لكن يجب علينا أن نقوم بذلك كجناح ماركسي للحركة، يجب علينا أن ننظم تدخلنا باعتبارنا تيارا مستقلا بشكل واضح.

   لا يزال لدينا بعض الوقت للقيام بذلك، لكنه ليس وقتا لا منتهيا. علينا أن نبني قوانا الخاصة. لقد قام الرفاق في فنزويلا بإنجاز عمل رائع، لكننا لا نزال نتخلف عن الحركة. إن مفتاح الثورة هو بناء منظمة كوادر ثورية قوية في أسرع وقت ممكن.

عنوان النص بالإنجليزية

Join us

If you want more information about joining the RCI, fill in this form. We will get back to you as soon as possible.